200 مليار جنيه صفقات سرية على المصريين فقط

بعد موافقة مجلس الشعب الأخيرة هناك خمسة أسئلة صعبة تبحث عن إجابات واضحة:

هل ممارسة البرلمان لحقوقه الدستورية اعتداء علي الثقة في الرئيس كما قال عبد الأحد ومحمد عبد الفتاح عمر؟!.. ولماذا لا يثق الرئيس فيمن وثقوا فيه فيقدم تقريراً عن صفقات الـ 30عاماً السابقة؟!
.. أمس الأول «الاثنين» أغلق مجلس الشعب مجدداً ملف تفويض الرئيس لمدة عامين في إبرام صفقات الأسلحة.. ذلك الملف المسكوت عنه منذ 30 عاماً..
.. ملف ملغوم موصوم بخاتم «سري للغاية» ممهور بشعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

.. وقد ذهبت المعركة وبقي لنا فقط «لا صوت». وهذا الملف المسكوت عنه والمتنازل عن حق الرقابة عليه بالمخالفة لنصوص الدستور ولما هو معمول به في معظم دول العالم.

.. ربما لا تحتاج لأكثر من نصف الساعة في أي «إنترنت كافيه» لتعرف أكثر مما تريد عن صفقات الأسلحة وأنواعها – بل وعدد الطلقات – التي يمتلكها الجيش في هذا البلد أو ذاك.
.. تستطيع فقط بكبسة ذر أن تعرف من ينتج هذا السلاح؟ وحجم إنتاجه؟ ومن يستورده؟ وحجم استهلاكه.
.. إنها «سوق» بمعني الكلمة، باعة ومشترون وسماسرة ووكلاء، وعملاء، ومسوقون، وناقلون، ووسطاء كبار، أو صغار يعملون لحساب الكبار.
تجارة المليارات
.. الفارق الوحيد في هذه البورصة الجبارة هو أنه لا مكان فيها للصغار أو للأرقام بالملايين حيث المليارات هي الخانة الأولي في هذه اللعبة أو الحرفة.
.. بعيداً عن شبكة المعلومات الدولية «الإنترنت» هناك عشرات الدوريات المتخصصة في رصد كل كبيرة وصغيرة في أسواق وصفقات الأسلحة التي تتم في كل بقاع الأرض شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً بل هناك أيضا التقارير الاستراتيجية التي تصدر عن معاهد دولية متخصصة ترصد بدقة كل شاردة وواردة
.. عجبا إننا في زمن المناورات المشتركة والأقمار الصناعية والمواقع الإلكترونية والمعارض السنوية المتخصصة مازال البعض يتصور أن صفقات الأسلحة هي عمل عسكري سري.
صفقات تجارية
.. مما يدعو حقاً للدهشة ألا نعرف ونعترف بأن طبيعة ما يسمي «سر عسكري» تغيرت منذ عشرات السنين وخرجت من توصيتها وتعريفها الصفقات الخاصة بشراء الأسلحة والتي باتت يغلب عليها الطبيعة «التجارية» في العالم كله!!
.. في الماضي كان هناك من يبيع لك.. ومن يبيع لغيرك!! أو لعدوك والآن ومنذ سنوات بات البائع مشتركا بل إن بعض ما يصلك هو إنتاج مشترك بين البائع الوحيد وعدوك، الذي ينتج أجزاء ليست بالقليلة مما تشتريه!!
.. يبدو أننا نستمتع أحيانا بأن نقلد النعامة التي تسعي لإخفاء رأسها الصغيرة في الرمال متصورة أن أحدا لن يري جسمها الضخم.وينتهي بها الأمر أنها الوحيدة التي لا تري الحقيقة.
لماذا الآن؟
.. ربما يسأل البعض – وبحق – وما المناسبة الآن تحديداً لفتح هذا الملف الشائك؟
.. هل هي شهوة الحديث في الممنوع؟؟! أم رغبة في تمزيق ستائر الصمت الذي ضرب علي هذه الصفحة؟.
.. الحقيقة أنه لا هذا ولا ذاك!! بل إن هذا الملف الحرج راوح مكانه منذ أيام قليلة عندما وافق مجلس الشعب علي مد العمل بالتفويض الممنوح للرئيس مبارك في مجال إبرام عقود وصفقات التسليح دون عرضها علي مجلس الشعب..
.. وإلي هذا الحد قد يبدو الأمر مقبولاً طالما أنه في حدود ما رسمه الدستور والقانون وما تقتضيه أحيانا الضرورة من إبرام الصفقات دون عرضها مسبقاً ثم إعادة العرض علي البرلمان لإقرارها.
.. فرغم أن هذا الوضع استثنائي وخروج علي الأصل العام الذي ينظمه الدستورفإننا قد نجد من يري ضرورة لوجود هذه «الرخصة» لمواجهة حالات «الضرورة» والعجلة إذا ما توافرت وقدرت بقدرها في عكس هذا اقرأ ما قاله النائب محمد عبد الفتاح عمر في اجتماع لجنة الأمن القومي بمجلس الشعب والتي انتهت بموافقة 4 واعتراض 2 من النواب علي مد التفويض للرئيس..

الاستثناء أصبح قاعدة

.. لكن الخطير في الأمر هو أن يتحول الاستثناء إلي قاعدة!! وتتحول القاعدة إلي واقع لا منطق له ولا مبرر غير تنازل مخل من صاحب الحق في حقه بالشكل الذي ينقل به أصل الحق لغيره ويصبح غريباً عليه أن يسترده وممنوع عليه أن يمارسه!!
.. ما حدث في مجلس الشعب هو مهزلة مستمرة منذ أكثر من ربع قرن أولاً: لأن المجلس فوض رئيساً لم يعرفه بعد، فالتفويض سار حتي 2012 أي بعد الانتخابات الجديدة.. وهذا هو الأخطر أما الأمر الأكثر خطورة فهو:
.. إن المجلس لم يغلق ملف التفويض عن العامين السابقين ويمنح الرئيس تفويضاً جديداً لعامين قادمين بل منح الرئيس التفويض الجديد دون أن يمارس المجلس حقه الدستوري في الوقوف علي ما سبق إبرامه وإنفاقه وفقا للتفويض السابق؟؟ لا بل وفقا للتفويض الأسبق!! والذي قبله!! وقبل الذي قبله.؟.أي أننا أمام 30 عاما من التفويض المستمر لا يعلم أحد، عنها شيئاً لا سابقاً ولا لاحقاً.
والمدهش أننا نسمع لغوا وخلطاً للأوراق ومصادرة علي حق دستوري أصيل من خلال ادعاء البعض ومحاولة نقل وتحويل الأنظار عن أصل الموضوع للحديث عن الثقة في الرئيس المنتخب أو عدمها !! واعتبار أن مناقشة حق المجلس الدستوري في أن يمارس بنفسه ما كفله الدستور من حقوق هو اعتداء علي الثقة التي يجب أن يحظي بها الرئيس
«راجع كلمة عبدالأحد جمال الدين وكمال الشاذلي مضبطة جلسة 9 مارس 2006، وكلام محمد عبدالفتاح عمر في لجنة الأمن القومي جلسة مارس 2010».
خرق الدستور
.. المادة 108 من الدستور الحالي تنص علي: «لرئيس الجمهورية عند الضرورة وفي الأحوال «الاستثنائية» وبناء علي تفويض من مجلس الشعب بأغلبية ثلثي الأعضاء أن يصدر قرارات لها قوة القانون.. ويجب أن يكون التفويض لمدة «محدودة» وأن تبين فيه موضوعات هذه القرارات والأسس التي تقوم عليها.. ويجب عرض هذه القرارات علي مجلس الشعب في أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض.. فإذا لم تعرض أو عرضت ولم يوافق عليها المجلس زال ما كان لها من قوة القانون».
.. إذا كان النص الدستوري بهذا الوضوح والجلاء بالشكل الذي لا يحتمل اللبس أو عدم الفهم فكيف لنا أن نقبل أن يتم الانحراف بالنص ليصبح الاستثناء الوارد فيه هو القاعدة وان تكون المدة المحدودة التي يتحدث عنها النص هي أكثر من ربع قرن متواصل؟! وأن تصبح أول جلسة بعد انتهاء التفويض هي الجلسة التي لن تأتي أبدا.
.. إن المادة 108 من الدستور تقيد المشرع «المُفوض» بشروط بعينها كي يعطي تفويضه كما تقيد الرئيس «المفوض» إليه بشروط.. فالمشرع أو البرلمان إذا ما تنازل عن سلطته في إصدار القوانين للرئيس فذلك شريطة توافر أمرين هما: «الضرورة» وفي الأحوال غير الطبيعية «الاستثنائية» وفي غير وجود هذين الشرطين يصبح التفويض في غير ذي محل إذا لم يتوافر له حالة الضرورة وأن يكون هو الاستثناء كما ألزم النص الدستوري (المفوض) البرلمان والمفوض أليه (الرئيس) أن تكون مدة التفويض «محدودة» ولم يقل محددة أي أنه يقصد طول المدة وليس تحديد بدايتها ونهايتها ومن هنا تتلاحق التفويضات المحدودة بصنع حالة طويلة من التفويض.. فلا يمكن أن تقبل أن تكون المدة أبدية مدة محدودة.
كما الزم النص المشرع أن تكون هناك أسس محددة يقوم عليها التفويض كما ألزم الرئيس أن يعرض هذه القرارات مرة أخري علي صاحب الحق وهو البرلمان وفي أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض.
.. يفهم من الشرط الأخير انه لا يمكن أن يصبح التفويض أبديا بل ينتهي بنهاية مدته – حتي لو بدأ غيره – فهو يغطي مرحلة مختلفة لا تحل الرئيس من التزاماته في التفويض السابق ونعود مرة أخري لمضبطة الجلسة السابق الإشارة إليها حيث تحدثت الدكتورة آمال عثمان وقالت بوضوح العبارة الآتية: «إن السرية التي تتعلق بالتسليح سرية سابقة لعقد الصفقات وليست لاحقة» ومن عبارة الدكتور آمال يفهم منها أن ما تم من صفقات لم يعد هناك معني لعدم عرضه بدعوي الحفاظ علي السرية لانتفاء الهدف من سريته وهو تمام الصفقة واكتمالها والتي تصبح عقداً يرتب التزامات مالية علي أطرافه لابد وأن يخضع لما يخضع له غيره من العقود من رقابة علي شروطه والتزامات كل طرف فيه ومدي توافقها مع الصالح العام وانعكاسها علي موازنات الدولة احتراماً لمبدأ دستوري وهو وحدة وشفافية الموازنة العامة للدولة.
200 مليار في السر!!
.. إننا تتحدث عن أمر جلل وكبير وخطير فنحن لا نتحدث عن عقد ببضعة ملايين بل نتحدث عن صفقات ضخمة حدها الأدني هو ما يتم رصده سنويا 30عاماً من مساعدات عسكرية تبلغ مليارًا و300 مليون دولار من الولايات المتحدة الأمريكية – فقط لا غير – وهذا بخلاف المبالغ الأخري التي ترصد من المكون المحلي ومن خزانة الدولة للشراء من دول أخري غربية أو شرقية.
.. أي أننا لو تصورنا أن محل هذه التعاقدات فقط هو الشراء من الشركات والحكومة الأمريكية فنحن نتحدث عن قرابة 200 مليار جنيه مصري خلال فترة حكم الرئيس مبارك وحده.. لم يعرض علي الجهة المنوط بها الرقابة والإقرار وهي مجلس الشعب أي شيء عن هذه المبالغ أو أوجه إنفاقها.
.. لقد تصديت منذ 15 سنة ولمدة عشر سنوات متواصلة تحت قبة مجلس الشعب لما تصدي له أول أمس «الاثنين» عدد من الزملاء بالبرلمان مثل الدكتور محمد البلتاجي وآخرون ويومها سمعنا وعودا من الحكومة بإيداع تقارير رقابية حول هذه العقود أمانة لجنة الدفاع والأمن القومي وتعرض علي اللجنة تمهيدًا لعرض ما تنتهي إليه اللجنة علي المجلس إلا أن كل هذه الوعود تبخرت وعدنا نسمع نفس الحجج الواهية بل والمهينة للمؤسسة التشريعية التي لا يمكن أن تكون محل عدم ثقة أو شك خاصة أن جلسات المجلس إذا كان الأصل فيها هو العلنية لكن الدستور ينص في المادة 106 علي حق المجلس في عقد جلسات سرية، هذا بالإضافة أن معظم هذه التعاقدات لم تعد سراً إلا علي المصريين.
القانون 29 لعام 1972
.. إن البداية كانت عام 1972 حيث صدر القانون رقم 29 لعام 1972 بتفويض رئيس الجمهورية في شراء الأسلحة لإزالة آثار العدوان وكان هذا هو المبرر المعلن بينما كان الاستعداد لحرب أكتوبر المجيدة هو الهدف الذي صدر من أجله هذا الاستثناء الذي كان مبرراً ومقبولاً.. وظل كذلك سنوات حتي تم التحول لشراء السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تحجب أي معلومات عما تقدمه لمصر لحليفتها إسرائيل بل إنها لا تكتفي بإخطار إسرائيل فهي في الغالب تتفق معها قبل بيع أي قطعة سلاح لمصر أو لغيرها من دول المنطقة.
والأخطر هو أن إسرائيل غالبا تشارك في صناعة أجزاء من تلك الأسلحة التي تورد لدول المنطقة.
لقد تغيرت الظروف ولم يعد لآثار هذا العدوان الذي صدر من أجله القانون رقم 29 لسنة 1972 سوي العدوان الذي يقع علي الدستور ببقاء هذه السرية التي تثير من الشائعات والهواجس وعلامات الاستفهام ما ينبغي معه العدول عن هذا النهج الفردي غير المؤسسي مثلنا مثل جميع دول العالم التي لا تخفي علي شعوبها وبرلماناتها أي التزامات له أو عليه بل يظل الشعب ممثلا في نوابه هو صاحب القرار.
ويكفي أن نقول إن الصين أعلنت أن زيادة نفقات التسليح بنسبة تصل إلي 70% في مكاشفة واضحة أمام برلمانها وذلك رغم الظروف الخاصة للصين والتي لا تتوافر بالنسبة لحالة مصر بل إن الجزائر عندما استقبلت مسئولاً روسياً كبيراً أعلنت عن احتياجاتها العسكرية في العام الجاري والعام القادم وما تم تخصيصه لهذه الاحتياجات من أموال ونفط في إطار برنامج مشترك مع الجانب الروسي.
لا رئاسي ولا برلماني..
.. إذا أراد البعض أن يتحدث عن أن النظام الرئاسي قد يعطي مثل هذه الصلاحيات بتوسع للرئيس.. فإن الرد علي هذا الادعاء الكاذب هو أن أوسع صلاحيات رئاسية هي تلك التي يوفرها النظام الرئاسي الأمريكي ورغم هذا فهو لا يعرف مبدأ إطلاق يد الرئيس في كل شيء دون رقابة سابقة ولاحقة وممكن أن نقدم هنا عدة أمثلة منها:
ــ في عام 1978 اتفقت الولايات المتحدة الأمريكية مع مصر وإسرائيل والسعودية علي تزويد الدول الثلاث بصفقة طائرات حديثة وكان كارتر قد وعد الدول الثلاث في إطار جولته بالمنطقة بإتمام الصفقة في بداية عام 1978 لكنه لم يستطع إتمامها إلا بعد عرضها علي الكونجرس الذي عارض الصفقة وتم تعديل مواصفات الطائرات التي ستشتريها مصر والسعودية بدرجة أقل مما ستحصل عليه إسرائيل وبعد هذا وتحديداً في مايو 1978 وافق مجلس الشيوخ علي الصفقة بفارق ضئيل جدًا.
وفي عهد ريجان الذي وعد السعودية بطائرات الأواكس ولم يوافق مجلس الشيوخ علي الصفقة التي اقترحها ريجان.. إلخ.
ونخلص من هذا أن الادعاء بأن الأنظمة الرئاسية تطلق يد الرئيس في مثل هذه الأمور هو ادعاء كاذب والأصح أنه لا يفعل هذا إلا الأنظمة الاستبدادية التي لا وجود لمؤسساتها حيث يختزل كل شيء في شخص فرد واحد هو الحاكم لكل شيء والعالم الوحيد بكل الأسرار والخبايا هو ولا أحد غيره.لا معقب عليه ولا رقيب ولا محاسب يستطيع أن يسأله أو يواجهه.
لماذا 30 عاما سرية؟
.. بالطبع إننا لا نشك ولا نشكك في أحد لكننا نسأل بصدق وحرص وكنت أتمني أن يبادر الرئيس بتقديم كشف وبيانات واضحة حول ما فوضه فيه البرلمان ولمدة 28 عاما.. يغطي ما فات بل ويوضح سياستنا وتوجهنا في المرحلة القادمة.. يكاشفنا ويطمئن أجيالا قادمة حول مستقبل هذا الوطن.
.. كنا نتمني أن نعرف موقفنا إذا ما استمر التلويح بنظام العصي والجزرة وما أعلن عنه من احتمالات تقليص المعونة العسكرية الأمريكية لمصر ولكن أليس من حق هذه الأمة أن لا تكون هي آخر من يعلم بشئونها وإذا علمت يكون هذا من الغير وليس ممن أناط بهم وكلفهم الشعب بهذه المسئولية أليس من حقنا أن نسأل لماذا 30 عاما من السرية؟.
أليس من حقنا أن نسأل متي نعرف الحقيقة؟ وكيف يمكن للمؤسسة الرقابية «البرلمان» أن يمارس دوره التشريعي ودوره الرقابي المنصوص عليه في المادة 108 الخاصة بإقرار أو عدم إقرار ما أبرمه الرئيس من عقود؟! هل يمكن بعد 30 عامًا مراقبة هذه التصرفات أو تصحيحها أو العدول عنها أو حتي الاستفادة من أخطاء يمكن تلاشيها؟.
هل هذا جائز بعد 30 عاما؟.

دفتريوس: خطاب أوباما بالقاهرة دفعة قوية لاقتصاد السلام

الزميل جون دفتريوس، معد ومقدم برنامج “أسواق الشرق الأوسط CNN”، يقوم بتسجيل انطباعاته ومشاهداته أسبوعياً، ويطرح من خلالها، وبلغة مبسطة، رؤيته لاقتصاد المنطقة، انطلاقاً من خبرته الطويلة في عالم الصحافة الاقتصادية
يبدو أن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، يكافح مجموعة من الحرائق تفوق ما تكافحه كل ولاية كاليفورنيا في ذروة الصيف، فهو من جهة يسعى لوضع خطط إنقاذ لقطاع السيارات والمصارف، بينما تتزايد السخونة السياسية في شبه الجزيرة الكورية.
ورغم أن قائمة أولويات أوباما كبيرة للغاية، إلا أن صبر الناخبين ليس طويلاً بما فيه الكفاية، ما يدعو الرئيس للتحرك بسرعة.
وعلى هذه الخلفية، جاءت زيارة أوباما إلى الشرق الأوسط، التي تعتبر الأولى له منذ توليه منصبه، وقد استبق الرئيس الزيارة باستقبالات “ذكية” أجراها للعاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.
وقد كانت لهجة أوباما خلال الزيارة حازمة، لكنها متعاونة، ففي القاهرة، قال الرئيس الأمريكي إنه يجلب معه كل “النوايا الحسنة للشعب الأمريكي”، مع توجيه تحيات حارة للحضور باللغة العربية، بهدف تأكيد موقع الشرق الأوسط المتقدم في استراتيجيته، والتنويه إلى أنه لن يترك قضية الصراع فيه إلى الفترة الأخيرة من عمر ولايته، كما فعل من سبقه.
وقد أعادتني هذه المناسبة إلى ما شهدته قبل عام، عندما كنت بين الحاضرين في المنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع شرم الشيخ المصري، وأذكر أن زملائي العرب كانوا يتململون على مقاعدهم بعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش، الذي اعتبروا أنه جاء ليقدم لهم درساً في الديمقراطية في وقت كانت التفجيرات تمزق العراق والاضطرابات تعم الأراضي الفلسطينية.
وفي تلك الفترة، كانت الولايات المتحدة قد بدأت تشهد أولى علامات الأزمة المالية، بينما كانت دول المنطقة ما تزال تنعم بفوائض مالية كبيرة جراء ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار، ما دفع النمو لتجاوز نسبة ستة في المائة.
وكان أوباما قد أشار في أولى أيام ولايته إلى ضرورة عدم ترقب حصول “معجزات” وعدم انتظار حصول تقاعس في الوقت عينه، وأنا أذكر عندما كنت أعمل في العاصمة واشنطن، أن السياسيين كانوا يقولون لي بأن السياسة هي اقتصاد” بمعنى أن العملية السياسية لا يمكن لها الاستمرار دون دعم مجتمع الأعمال.
ويبدو أن مجتمع الأعمال في الشرق الأوسط يتوق إلى السلام، حيث أن تسوية النزاع بين العرب وإسرائيل سيركز الأنظار على التنمية في الأراضي الفلسطينية، علماً أن الأموال متوفرة لهذا الأمر، لكن ارتفاع المخاطر السياسية يحول دون تحركها.
كما أن السلام سيسمح لقادة المنطقة بتخصيص الموارد التي يوفرونها اليوم لمواجهة إسرائيل على عمليات خلق الوظائف، حيث أن الشرق الأوسط بحاجة لمائة مليون وظيفة خلال العقد المقبل.
يذكر أن الرئيس الأمريكي شدد في القاهرة على وجوب عدم شعور المنطقة بالقلق حيال العولمة، وقال: “ليس هناك من تناقض بين التنمية والتقاليد” معتبراً أن دبي وماليزياً يشكلان خير مثال على الاقتصاد الإسلامي الحديث الذي يمكن تطبيقه في القرن الـ21.
كما أن أوباما حض العرب على النظر إلى أبعد من الاكتفاء بالاقتصاد المعتمد على النفط، وطلب منهم التركيز على التعليم والإبداع.
ومع الصلات التي بناها أوباما مع أكثر من ثلاثة آلاف شخص استمعوا إلى كلمته في القاهرة، خاصة عندما أشار إلى تاريخ المنطقة الإسلامي والثقافي، فإن شيئاً أساسياً علق في أذهان الحضور، وهو دعوته إلى تناسي الماضي من أجل السير قدماً.
وربما يكون هذا الأمر فعلاً هو المستقبل الذي سيظهر في الأيام القادمة