دفتريوس: خطاب أوباما بالقاهرة دفعة قوية لاقتصاد السلام

الزميل جون دفتريوس، معد ومقدم برنامج “أسواق الشرق الأوسط CNN”، يقوم بتسجيل انطباعاته ومشاهداته أسبوعياً، ويطرح من خلالها، وبلغة مبسطة، رؤيته لاقتصاد المنطقة، انطلاقاً من خبرته الطويلة في عالم الصحافة الاقتصادية
يبدو أن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، يكافح مجموعة من الحرائق تفوق ما تكافحه كل ولاية كاليفورنيا في ذروة الصيف، فهو من جهة يسعى لوضع خطط إنقاذ لقطاع السيارات والمصارف، بينما تتزايد السخونة السياسية في شبه الجزيرة الكورية.
ورغم أن قائمة أولويات أوباما كبيرة للغاية، إلا أن صبر الناخبين ليس طويلاً بما فيه الكفاية، ما يدعو الرئيس للتحرك بسرعة.
وعلى هذه الخلفية، جاءت زيارة أوباما إلى الشرق الأوسط، التي تعتبر الأولى له منذ توليه منصبه، وقد استبق الرئيس الزيارة باستقبالات “ذكية” أجراها للعاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.
وقد كانت لهجة أوباما خلال الزيارة حازمة، لكنها متعاونة، ففي القاهرة، قال الرئيس الأمريكي إنه يجلب معه كل “النوايا الحسنة للشعب الأمريكي”، مع توجيه تحيات حارة للحضور باللغة العربية، بهدف تأكيد موقع الشرق الأوسط المتقدم في استراتيجيته، والتنويه إلى أنه لن يترك قضية الصراع فيه إلى الفترة الأخيرة من عمر ولايته، كما فعل من سبقه.
وقد أعادتني هذه المناسبة إلى ما شهدته قبل عام، عندما كنت بين الحاضرين في المنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع شرم الشيخ المصري، وأذكر أن زملائي العرب كانوا يتململون على مقاعدهم بعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش، الذي اعتبروا أنه جاء ليقدم لهم درساً في الديمقراطية في وقت كانت التفجيرات تمزق العراق والاضطرابات تعم الأراضي الفلسطينية.
وفي تلك الفترة، كانت الولايات المتحدة قد بدأت تشهد أولى علامات الأزمة المالية، بينما كانت دول المنطقة ما تزال تنعم بفوائض مالية كبيرة جراء ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار، ما دفع النمو لتجاوز نسبة ستة في المائة.
وكان أوباما قد أشار في أولى أيام ولايته إلى ضرورة عدم ترقب حصول “معجزات” وعدم انتظار حصول تقاعس في الوقت عينه، وأنا أذكر عندما كنت أعمل في العاصمة واشنطن، أن السياسيين كانوا يقولون لي بأن السياسة هي اقتصاد” بمعنى أن العملية السياسية لا يمكن لها الاستمرار دون دعم مجتمع الأعمال.
ويبدو أن مجتمع الأعمال في الشرق الأوسط يتوق إلى السلام، حيث أن تسوية النزاع بين العرب وإسرائيل سيركز الأنظار على التنمية في الأراضي الفلسطينية، علماً أن الأموال متوفرة لهذا الأمر، لكن ارتفاع المخاطر السياسية يحول دون تحركها.
كما أن السلام سيسمح لقادة المنطقة بتخصيص الموارد التي يوفرونها اليوم لمواجهة إسرائيل على عمليات خلق الوظائف، حيث أن الشرق الأوسط بحاجة لمائة مليون وظيفة خلال العقد المقبل.
يذكر أن الرئيس الأمريكي شدد في القاهرة على وجوب عدم شعور المنطقة بالقلق حيال العولمة، وقال: “ليس هناك من تناقض بين التنمية والتقاليد” معتبراً أن دبي وماليزياً يشكلان خير مثال على الاقتصاد الإسلامي الحديث الذي يمكن تطبيقه في القرن الـ21.
كما أن أوباما حض العرب على النظر إلى أبعد من الاكتفاء بالاقتصاد المعتمد على النفط، وطلب منهم التركيز على التعليم والإبداع.
ومع الصلات التي بناها أوباما مع أكثر من ثلاثة آلاف شخص استمعوا إلى كلمته في القاهرة، خاصة عندما أشار إلى تاريخ المنطقة الإسلامي والثقافي، فإن شيئاً أساسياً علق في أذهان الحضور، وهو دعوته إلى تناسي الماضي من أجل السير قدماً.
وربما يكون هذا الأمر فعلاً هو المستقبل الذي سيظهر في الأيام القادمة